عبد الوهاب الشعراني

337

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان يقول : نشأ هذا العالم على التدريج فإذا توجه الإنشاء للدائرة الأخرى والنشأة الثانية عادت السماء كالأب والأرض كالأم وكان المتولد واحدا دفعة واحدة وثبتت حبات نبات الآدميين عن بطن الأرض نباتا واحدا . وكان يقول : إذا نطق لسان العارف بالمعرفة صمت وجوده كله وكان يقول : لو علمت النفوس قدر ما تدعي إليه لكانت تسابق داعيها إليه ، وكان يقول : لا تشرب من شراب الدنيا إلا بعد أن تمزجه بشراب الآخرة وذلك لتكون محفوظا . وكان رضي اللّه عنه يقول : ما من وقت جديد إلا وفيه مدد جديد يتلقاه كبراء الوقت ووسائطه وهم أرباب التلقي للمدد الوقتي وسفراؤه قد ورد الأثر « إن لربكم في دهركم هذا نفحات ألا فتعرضوا لنفحات رحمة اللّه تعالى » فأشار إلى المدد الوقتي . وكان رضي اللّه عنه يقول : ما وردت حقيقة على عارف قط إلا وذهب شاهده تحت سلطان أنوارها وأما السامع منه فيمكن بقاء شاهده مع وجود تلقيها منه لأنها وردت من بشير إليه وكان يقول : خفيت الأرواح في الأشباح لظهور الأشباح في هذه الدار فوقع الاعتناء بالظواهر فشغل العبد بشهود ظاهره عن مراعاة القلوب والسرائر والموفق السعيد من زاحم لروحه فأظهرها وجاهد في إصلاح حقيقته فخلصها وحررها . وكان يقول : ليس الشأن من تغرب عليك بتستير أمر بشريته إنما الشأن من أظهر أمرها وأوصافها ثم أبدى ذلك آثار التحقيق عليها وأبرز ذلك من مكنوناتها ذخائر الغيوب وفي ذلك إشارة لفهم قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ « 1 » وكان يقول العارف لا يبقى مع غير اللّه تعالى بحال ولا يقف مع ما بدا له من الحق ومتى وقف معه حجب به عن ربه تعالى . وكان يقول رب شارب دواء نافع ظن الشارب أنه ماء لكونه على صورته فكان فيه شفاؤه من جميع الأمراض كذلك الولي ربما عثر عليه من رآه في صورة العوام فوصله إلى حضرة ربه وهو عنه غافل لا يدري مقامه ثم إذا استنار قلبه عرفه ، وكان يقول : إنما ثبت البشر لسلطان نور التجلي وتدكدك الجبل لأن طينة البشر عجنت من أصل أصيل بخلاف الجبل .

--> ( 1 ) سورة الكهف : الآية 110 .